علي بن مهدي الطبري المامطيري
107
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
ذلك : أنّ ميسرة غلام خديجة أقبل من سفره ومعه النبيّ ص ، فنزل تحت
--> - فما جئناك إلّا لنخطبك خديجة على محمّد ، قال : فتكلّم ، فقال : إنّ محمّدا هو الفحل لا يقرع أنفه ، ثمّ تكلّم أبو طالب فخطب ، فأخذ بعضادتي الباب ومن شاهده من قريش حضور ، ثمّ قال : الحمد للّه الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذريّة إسماعيل ، وجعل لنا بيتا معمورا وحرما آمنا تجبى إليه ثمرات كلّ شيء ، وجعلنا الحكّام على الناس في مولدنا الذي نحن فيه ، ثمّ إنّ ابن أخي محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب لا يوزن برجل من قريش إلّا رجح به ، ولا يقاس بأحد منهم إلّا عظم عنه ، وإن كان في المال قلّة فإنّ المال رزق جاء وظلّ زائل ، وله في خديجة رغبة ، ولها فيه رغبة ، والصداق ما سألتم ، عاجله وآجله من مالي ، وله خطر عظيم ، وشأن شائع جسيم . فزوّجه ودخل بها من الغد ، فأوّل ما حملت ولدت عبد اللّه بن محمّد صلّى اللّه عليهم أجمعين . وقال القاضي المعافى بن زكريا في الجليس الصالح 4 : 36 : وقول خويلد بن عبد العزّى أبي خديجة : « إنّ محمّد الفحل لا يقرع أنفه » : إنّ العرب إذا نزا الفحل من الإبل - وليس من كرائمها - على ناقة كريمة قرعوا أنفه طردا له عنها ورغبة عنه بها ، وإذا كان فيهم فحل كريم لم يدفعوه عن الضراب في إبلهم ، ولم يقرعوا أنفه ، فقالوا في الكريم النجيب من الناس : لا يقرع أنفه ، أي : يرغب فيه ، ولا يردّ عن حاجة لدناءته ولؤمه ، فوصف أبو خديجة رسول اللّه ص بهذه الصفة الصفة التي هو أحقّ الناس بها . وقول أبي طالب : « وإن كان في المال قلّة » المشهور من الرواية : « وإن كان في المال قلّ » وهو القلّة والضيق ، والعرب تقول : « الحمد للّه على القلّ والكثر » أي : على قليل الرزق وكثيره . . . وقال المعافى أيضا في 4 : 43 : حدّثنا عبد الباقي ، قال : حدّثنا محمّد ، قال : حدّثنا العبّاس بن بكّار ، قال : حدّثني محمّد بن زياد والفرات بن السائب عن ميمون بن مهران ، عن ابن عبّاس ، قال : ولدت خديجة من النبيّ ص عبد اللّه بن محمّد ، ثمّ أبطأ عليه الولد من بعده ، فبينا رسول اللّه ص يكلّم رجلا والعاص بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل : من هذا ؟ قال : هذا الأبتر ، يعني : النبيّ ص ، فكانت قريش إذا ولد للرجل ثمّ أبطأ عليه الولد من بعده قالوا : هذا الأبتر ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [ الكوثر : 3 ] أي : مبغضك هو الأبتر الذي بتر من كلّ خير . ثمّ ولدت له زينب ، ثمّ ولدت له رقيّة ، ثمّ ولدت له القاسم ، ثمّ ولدت له الطاهر ، ثمّ ولدت له المطهّر ، ثمّ ولدت له الطيّب ، ثمّ ولدت له المطيّب ، ثمّ ولدت له أمّ كلثوم ، ثمّ ولدت فاطمة ، وكانت أصغرهم صلوات اللّه عليهم . وكانت خديجة إذا ولدت ولدا دفعته إلى من يرضعه ، فلمّا ولدت فاطمة لم يرضعها أحد غيرها . قال القاضي : في هذا الخبر ما دلّ على نبوّة النبيّ ص ، وبديع آياته ، ورفيع منزلته ، وعظيم بركته ، وثبوت